دولة "الكوداك" !
كتبهامحمد قماري ، في 22 مايو 2008 الساعة: 22:48 م
كثير من الشعوب العربية مازال يعيش على ذكرى “قائد الأمة” الذي يتمنى لو يعود ليخلصها من مصائب تعددت أوجهها.
ففي مصر بل في العالم العربي كله، مازالت الأقلام تنبري، في كل مرة، مع حلول ذكرى رحيل الزعيم جمال عبد الناصر، وهي تبكي فقده وتخلد مآثره، والرجل احتفظ بهذا البريق حتى بعد ظهور مقاتل في سياسته في إدارة الصراع العربي الإسرائيلي و في قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، والغريب أن بعض خصوم عبد الناصر من الإسلاميين والشيوعيين يقرون له بهذا الحضور في المخيال الشعبي!
والرئيس الراحل محمد بوضياف، احتفظ بصفة المعارض وبحزبه الاشتراكي إلى يوم أن شاهد موكب جنازة الرئيس بومدين، واعترف أن الرجل قد حظي ببيعة شعبية، فحل الحزب ووجه جل نشاطه للعمل الخاص، وما زال كثير من الناس يداعب خياله عودة الرئيس الزعيم القائد!
وبعد أن استمعت لشهادة رئيس الحكومة التونسي الأسبق، الرجل المثقف محمد مزالي، وهو يذكر بورقيبة ويذكر الناس بإرثه النضالي ووطنيته العالية، ويغفر له سقطاته وأخطاءه، وقد تبرر بسبب المرض والشيخوخة، ومزالي من ضحايا “المجاهد الأكبر” الذين كانوا مقربين منه، قبل أن يتنكر له وينقلب عليه بقسوة..
في هذا المشهد التقديسي، تصبح أخطاء “الزعيم” هينة ومغفورة، مجرد هفوات وصغائر لا تنقص الرجل شيئا من قدره ومقامه الرفيع.
و ظاهرة الحنين للزعامة في عالمنا العربي، تفسر بانسداد الأفق المنظور، وتأخر النهضة الموعودة، بل وتراجع كثير من مفردات الحلم في الإقلاع سواء على المستوى القطري أو القومي، كل ذلك قد يبرر انتظار الفارس المعجزة، لكن الظاهرة ذاتها أصبحنا نلمسها في الغرب المتطور، وبطبيعة الحال لأسباب وخلفيات مغايرة، فالمجتمعات الصناعية الغربية المتقدمة، تحول فيها الحاكم إلى موظف تقني، له موقعه المحدود في دواليب جهاز السلطة الآلي، ومن ثم فقدت صورة الزعيم، وغدت تلك المجتمعات عاجزة عن صناعة البطولة والزعامة..
وكنوع من التعويض عن هذا الفراغ، بدأ البحث عن البطولة خارج نطاق الحكم، والانجذاب إلى شخصيات تملأ المشهد على غرار ديانا “أميرة الفقراء” والقديسة تيريزا..
وضمن ملفات “نقاش” التي تصدرها أسبوعية “نوفيل ابسرفتور” جرى نقاش (عدد 04 أكتوبر2007) بين رئيس الحكومة الفرنسي الأسبق “دومنيك دوفيلبان” والفيلسوف الفرنسي رجيس دوبريه، حول سؤال محوري “ماذا يعني الزعيم؟”، ويرى دوبري أن غياب نموذج الزعيم الذي تشكل تاريخيا في الغرب على صورة “النبي التوراتي” انعكس بحدة على الحقل السياسي، فالسياسة من حيث هي نشاط تجميعي توحيدي، تتطلب أن ينبثق من داخلهــا وجه كارزماتي يجسد الشخصية الجماعية، بحيث يرى فيه كل عنصر من عناصر المجموعة، ممثلا له وفي نفس الوقت رمزا خارقا يتجاوزه. فالشخصية الجماعية الفاعلة تتطلب هذا التجسيد الفردي، ومن ثم فإن مأزق الديمقراطيات يأتي دوما من غياب شخصية الزعيم الذي يؤدي إلى إضعاف الجسم الاجتماعي.
إن البشر لا يجتمعون على مصالح تعاقدية نفعية محضة، بل على متخيل جماعي أو حلم مشترك، ومن ثم لا زعيم بدون أسطورة، يتجسد فيه الشخص الطبيعي والرمزي، والمجتمعات الديمقراطية اليوم، كما يلاحظ دوبريه، تشكو من ضبابية في الرؤية السياسية، مصدرها أن الشخص الطبيعي العيني أصبح يحجب الشخصية الرمزية، يؤدي الدور بنفسه على الخشبة، يجلس إلى الجمهور، ينكشف أمامه، ينزع إلى الحضور المباشر والاحتكاك اليومي بالناس، لقد أصبحنا أمام ما سماه دوبريه بـ”الدولة الكوداك”، التي تتحكم فيها عدسة الصورة، بدل “الدولة اللوحة”، التي كان فيها البطل حاضرا بالتمثيل والتجسيد.
فهذا عصر السياسة التلفزيونية الذي يخلف قرنين من السياسة الأدبية والمسرحية، ففي هذا العصر، يستبدل التمثيل بالحضور، والعلامة بالأثر، والعام بالخاص، وتأخذ الديمقراطية الشكل الاستعراضي الترويجي، والأمة شكل ملعب رياضي، والسياسة شكل سباق الخيل. ومن هنا انهيار الأجسام الوسيطة التي كان يقوم عليها النظام الديمقراطي من أحزاب وبرلمان ومجتمع مدني، إذ لا حاجة إليها في عصر الصورة القصوى، فالعلاقة مباشرة مع العموم، في إطار هذا المشهد الحي المباشر، الذي لا يطلب فيه من الرئيس سوى الحركة والحضور الدائم على الشاشة..
نحن بصدد عصر الرئيس المذيع، بعد عصر “الزعيم”، الذي لا يمثل دور البطولة، ولا يتحدث بلغة الحلم والايدولوجيا، بل يواكب الماكينة السمعية البصرية، ويؤدي دور الزبون والضيف الدائم فيها، فلقد كان ديغول يتحدث بضمير التنوير الأوروبي الحديث، وكان ميتران يتحدث بلغة المثل اليسارية الجمهورية، أما ساركوزي فقد قال عن نفسه أن فلسفته هي الحركة والفعل والحضور الدائم.
و بتاريخ 22 مارس الماضي، كتب “برتراند لوجندر” وهو من كبار محرري صحيفة “اللومند” الفرنسية مقالا اختار له عنوان: “ديغول وساركوزي:الرجل وأسلوبه”، وقال الكاتب أن ديغول الذي عاد إلى حكم فرنسا قبل ربع قرن في ربيع سنة 1958 وأسس الجمهورية الخامسة، طبع الحكم بأسلوب ارتكز على الرفعة والعظمة واللياقة، جعل كلا من الرؤساء الأربعة الذين جاؤوا من بعده يحاول أن يقتدي به..
الرئيس الخامس، نيكولا ساركوزي مختلف تماما، فهو من زمن آخر، مسترخ وقح غير متحفظ، فتلك المعاني التي كان ديغول يقدسها ويدعم بها شرعيته غريبة عليه..ولإبراز إحدى المفارقات الكبيرة بين الرجلين، يعقد كاتب المقال مقارنة بين سلوك “أيفون فندرو” زوجة ديغول و”كارلا بريني” زوجة ساركوزي، فزوجة الجنرال رفضت استقبال مطلقات في قصر الاليزيه، وامتنعت عن الحديث للصحافة، ولم تبدي أي رغبة في التصوير، تحرص على الظهور بلباس داكن، ورفضت أن تستعير فساتين من مشاهير المصممين، وقالت: “لا أبالي بالنقد الذي يوجه إليَّ بسبب طريقتي هذه، وفي كل الأحوال هي خير من أن أظهر بمظهر لعوب أو دمية، فأنا على الأقل على تماسك كوقف زوجي..فماذا ستشاهد لو كتب اسم “كارلا بريني” على محرك “غوغل” ؟ سترى صورا عارية تماما لعارضة الأزياء السابقة وهي تستعرض!
محمد قماري
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























