هي جميلة.. لكنهم لا يبصرون !
كتبهامحمد قماري ، في 20 مارس 2008 الساعة: 10:35 ص
شهدنا طيلة الأيام الماضية عكاظية في الوصف والغزل، وقد أتى المادحون أو (المدَّاحون) فيها على كل كلمات القاموس في وصف مفاتن وجمال تلك الحسناء الساحرة، وخيل إليَّ للحظة أن هؤلاء لم يروا هذه الحسناء من قبل ولم تكتحل أشفر أعينهم ببهائها وحسنها، وأن ما يصدر عنهم هو حديث المبهور الذي أعجزه ما يرى من الجمال أول مرة..
ويا ليتني بقيت غارقا في هذا الوهم، سادرا في هذا الحلم بأن هؤلاء صادقون في دعواهم، وأن تغزلهم بالحسناء نابع من وجدانهم لا من شفاههم، وأن كلاماتهم في وصف جمالها تصدر عن عاطفة صادقة لا تأدية لدور شعراء بلاط السلاطين، فهم يمدحون ويهجون حسب الطلب وما يرجون من العطاء لقاء مدحهم..
ولكنني انتبهت من غفوتي لسابق معرفتي بهم، فهم يرون هذه الجميلة منذ وجدوا، يرونها في ليلهم ونهارهم ويمرون عليها في غدوهم ورواحهم، حين يمسون وحين يصبحون، وقد نجد للساكت بعض العذر لو في صمته، ونجد العذر في طول الألفة، فالإنسان لا ينتبه إلى عظمة الشمس وهي تمده بالدفء والضوء لأنه ألفها، وتجد أكثر المحتفين بها الباحثين عنها، هم الذين حرموا منها، فتجد سكان شمال كوكب الأرض يترصدون الأماكن المشمسة ويشدون إليها الرحال..
وأيا كان الأمر، فالحسناء لا يضرها أن تنكر لها من أصيبوا برمد في أذواقهم فلم ينتبهوا لحسنها، وأنكروا جمالها، (وقد تنكر العين ضوء الشمس من رمد) حتى جاءت هذه الأيام فهرعوا لنسج عبارات المدح والإطراء في حقها، وإنهم بعد ذلك سيعدون إلى سابق عهدهم فلا تحس منهم من أحد ولا تسمع لهم ركزا !
هذه الحسناء هي هذا البلد (الجزائر) الذي يقع محل الجوهرة في عقد حوض المتوسط، ويحتل الصدارة في قارة إفريقيا، ومهرجان المدح كان بمناسبة الجلسات الوطنية والدولية للسياحة، فلقد استمعنا وقرأنا التصريحات التي انتقت فيها كلمات الهيام بالجمال ونفيض بالشاعرية والهيام، وكأننا بحضرة بلد جديد بعث من العدم فسحر الناس بطلعته..
والحقيقة المرة المؤلمة هي غير ذلك، الحقيقة تقف وراء ذلك الداء المزمن الذي يحكم سكنات وحركات أغلب الناس عندنا، ذلك الداء هو( ثقافة المناسبات) إذا صحت هذه الإضافة بين الثقافة والمناسبات، ولكن ليغفر لنا من يحتج عليها، مجاراة للخطأ الشائع، فنحن والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه قد تبنينا هذا المسخ المدعو بالخطأ الشائع، بل ومجاراة الشائع الخاطئ لا في مفردات وتراكيب اللغة وحسب، فالأمر يكن هينا لو اقتصر عليها، لكنها مجاراة الخطأ في أغلب شؤوننا لا لشيء إلا لأنه واقع وشائع، وهذا كاف بحكم العرف الشاذ بأن يمده بالحماية، ويضفي عليه الشرعية..
وثقافة المناسبات هي من أبرز هذه الأعراف الشائعة التي انتشرت بيننا كالوباء ينتقل بين الناس فلا ينتبه السليم إلا وقد أصابته العدوى، وربما نسي نفسه وتسلى عن مرضه بأن المصيبة إذا عمت خفت، ونحن بطبيعة الحال لا ننكر ما للمناسبات من أهمية ومكانة، فهي بمثابة محطات التزود على طريق المسافر، لكن الذي ينام طيلة أيام السنة ويقصد محطة ويوهم نفسه بأنه يقطع الطريق فهذا هو العبث..
أما وأن هذا الجزائر ساحرة ببهائها، فاتنة بتنوع تضاريسها من واجهات البحر إلى فيافي الصحاري، ومن الجبال الشامخات وهي تحتضن الأودية والسيول إلى المنبسط والسهل، وهذا التنوع في عادات السكان وفي سحن الوجوه، بين الأبيض والأسود وما بينهما مما خلق الله من البشر فوق هذه الرقعة من الأرض، بل على هذه القارة الممتدة بين الشرق والغرب وبين الشمال والجنوب عند مدخل قارة إفريقيا الشمالي..
وكيف يصف الجمال من لم يره؟ إن أول ما يجب أن نعمل على تحقيقه هو تشجيع السياحة الداخلية، فالجزائر التي تراكم سكانها شمالا (93 بالمائة من السكان) أغلبهم لا يعرف إلا هذه الرقعة من شمال البلاد وهي دون عشر المساحة، فإذا فكر في مغادرة بلدته يتجه شمالا، بل إنه قد يستغرب إذا رأى جزائريا آخر لا يشبه في سحنته ما أعتاد أن يراه من الناس، وقد يظنه أجنبيا !
إن أي بلاد مهما تكن ساحرة وجميلة لا يمكن أن يحبها الأغراب وأهلها فيها زاهدون، ولا يتيسر لأهلها أن يعرفوا قدرها والحواجز النفسية تزهدهم في حب استكشافها، فعندما نقدم في الإعلام مدننا الداخلية على أنها فراغ أو شبه فراغ مع شيء من المناظر الفلكلور (الغبي) فهذا لن يغري الشباب ببذل المال والوقت لاستكشافها..
إن أيسر طريق لترقية السياحة هو توفير دليل للسائح يوضح الطرق بين المدن، وما بينها من الخدمات من مطاعم وفنادق ومستشفيات وغيرها..أما ونحن نصور البلاد على أنها بعد شريط الشمال فراغ موحش ومسافات طويلة لا تكاد تتبين فيها النهايات، فهذا هو الذي يثني عزائم من يفكر في خوض التجربة..
كتبه: محمد قماري
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























