السياسة.. باسم الله !

كتبهامحمد قماري ، في 20 مارس 2008 الساعة: 10:37 ص

تدور على الساحة الإعلامية والثقافية في فرنسا ثائرة يقف فيها أهل اليسار مع اليمين، وتكاد تذكر المتابعين لها بعصور التنوير التي كانت مع بداية النهضة في أوربا، فالحديث هنا أيضا عن مبدأ علمانية الدولة، والسبب هو ما جاء في خطابين منفصلين للرئيس ساركوزي، وإن اختلف الخطابان في المكان والزمان، إلا أن ما أثار حفيظة منتقديه هو هذا الحماس غير المعهود من رؤساء فرنسا العلمانية في الحديث عن الدين والقضايا الدينية..

ولعل الأمر الذي يثبت أن الرجل يعني ما يقول بل يصر عليه هو أن بين الخطابين تباعد في المكان والزمان واختلاف البعد الحضاري لدى الحاضرين، فالحطاب الأول كان في 20 ديسمبر2007 في روما وتحديدا في القصر البابوي، وكان أغلب الحضور من كبار كرادلة الكنائس، أما الخطاب الثاني فكان في 14 جانفي الماضي في الرياض وكان اغلب حضوره أعضاء مجلس الشورى ومسؤولين سعوديين، والقاسم المشترك بين الخطابين أن الرجل استرسل في مدح العقيدة الدينية مدحا غير معهود من مثله، وهنا أثار انتباه بعض المثقفين الفرنسيين كريجيس دوبريه و كجان دانييل.. والردود مازالت تتوالى على صفحات جريدة "لوموند" و"النوفيل اوبسرفاتور"، وغيرهما..

والذي يقرأ الخطابين يلاحظ أن ساركوزي لم يتحول إلى رجل دين ولم يتنكر للعلمانية، لكنه يريده علمانية منفتحة أو ايجابية على حد تعبيره، وجاء في خطابه هجوم على العلمانية، لكنه حددها بالعلمانية المتطرفة التي قضت على المسيحية في فرنسا وفي الغرب كله، ماعدا انتعاش التدين في الولايات الجنوبية من أمريكا..

ولكن على الرغم من ذلك فإن المحظور في عرف المثقفين هو خلط الدين بالسياسة أو تخلي رئيس الجمهورية الفرنسية عن حياده العلماني وتقمصه لبوس الرهبان المسيحيين، فهؤلاء في النهاية ليسوا ضد الدين في المطلق، لكنهم يرفضون "الخلط" بين الأمرين والتاريخ يشهد أن دعوى التنوير في الغرب قامت على قاعدة أن كهنوت الكنيسة صنو في ضرره لاستبداد ملوك الإقطاع الجائرين وأن من الحكمة "شنق آخر ملك بأمعاء آخر قسيس"، ذلك سياق تاريخي أوربي و حق للمثقفين أن يفزعوا من تجارب مريرة لم ينجو من عقابيلها إلا بشق النفس..

لكن ما يجب أن لا يعزب عن أذهاننا أيضا، هو أن تطرف الغرب في خصومته مع الدين إلى حد اللجوج والغلو، قد أحدث فراغا روحيا مرعبا، بدت آثاره على المجتمعات الغربية بدء من استحداث مذاهب وملل أو إلى آثار مرعبة من تفكك وانفلات يصل إلى حد الانتحار..فآخر استطلاعات الرأي العام في فرنسا تقول أن 51% من الفرنسيين لا يزالون يقبلون بأن يوصفوا بأنهم مسيحيون، لكن نصف هؤلاء يعلن أنه يؤمن بالله! وهو ما يعني أن الانتماء الديني لديهم  مجرد عاطفة تاريخية أو عادة اجتماعية، ولا تتعدى نسبة الذين يذهبون إلى الكنيسة مرة واحدة في الأسبوع على الأقل 8 بالمئة منهم فقط أما باقي الناس فينغمسون في الحياة الصناعية المترفة القائمة على فلسفة اللذة والمتعة وحياة الاستهلاك..

من هنا تبرز في سماء الغرب بين الحين والآخر صرخة نذير،  وضمن هذا الجو تفهم صرخة ساركوزي التي تذكر الناس بالقيم الروحية والأخلاقية للدين، وان فرنسا كانت في يوم من الأيام مسيحية وهو ما شدد عليه في خطاب روما، وهو على خلاف خطاب الرياض الذي توقف مطولا عند قيم التسامح والانفتاح، محذرا من تشويه الدين أو حرفه عن مساره الصحيح ومقاصده النبيلة..

في حملة الانتخابات الأمريكية طفا على السطح موضوع الدين بقوة، كلن مدخلها عقيدة المرشح الديمقراطي الأسود "باراك اوباما" الذي تزايدت حظوظه في الفوز بثقة ناخبي حزبه في الاستحقاقات التمهيدية، فلقد تساءل دانيال بايبس أحد المقربين من مركز القرار الأمريكي ومن أكثرهم تعصبا ضد العرب والمسلمين، هل يخفي اوباما إسلامه؟، واعتبر أن الرجل ولد لأب مسلم من كينيا وعاش طفولته في اندونيسيا حيث سجل في المدرسة بصفته مسلما وكان يرتاد المساجد فيها، ولذا ثمة شكوك حول عقيدته المسيحية التي يدعيها.

ولقد وجد اوباما نفسه مرغما على تفنيد هذه التهمة التي من شأنها ان تضر به في مجتمع شديد التدين، فقد كتب اوباما في موقع حملته الالكتروني انه لم يكن يوما مسلما وان كان أبوه جاء من قرية تضم الكثير من المسلمين، على الرغم من انه مواظبا على شعائر الدين، وقد انفصل والده عن أمه المسيحية التي تولت تربيته على دينها، وأصبح اوباما في حريصا على إظهار تعلقه بعقيدته المسيحية، لاستمالة جانب واسع من المجموعات الانجيلية المساندة تقليديا للحزب الجمهوري.

ولم تجد منافسة اوباما السيدة هيلاري كلينتون بدا من خوض المعركة على الأرضية الدينية ذاتها، مظهرة نزعة عقدية وتعبدية جديدة في سلوكها، فقد صرحت هيلاري أنها تواظب يوميا على الصلاة، ولا تنقطع عن قراءة الكتاب المقدس حتى في أسفارها، وتجد فيه الإجابة على كل إشكالات الوجود والإنسان.

ليست الظاهرة بالجديدة ولا الغريبة في المجتمع الأمريكي، لكنها عرفت تحولا جذريا في عهد الرئيس الحالي بوش الابن الذي استبطن خطابه السياسي نفسه لهجة وعظية غير مألوفة في السياق الأمريكي الذي لا يشذ في خصوصياته عن القاعدة العلمانية في الغرب..

هذه النغمة لم تعد غريبة في السياسة الغربية، فبوش الذي حول كثير من خطاباته إلى سياقات وعظية، وكان بلير رئيس الوزراء البريطاني الأسبق حريصا على الظهور في الكنيسة مع أسرته كل أحد، وكذا بوتين، ومن يقرأ كتاب (هؤلاء المؤمنون الذين يحكموننا) يدرك حجم التوجهات الجديدة لدى الطبقة السياسية في الغرب..

كتبه محمد قماري

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر