أيـنَ الرجال؟
كتبهامحمد قماري ، في 20 مارس 2008 الساعة: 10:42 ص
كان للحركة النسوية التي قامت في أوربا، نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، دافعها ومبررها الموضوعي، كانت للمرأة "قضية" حقيقية تدفعها للحركة وللنضال، وكان هدفها واضحا ومشروعا ومحددا، إنه تحقيق العدالة والإنصاف في الأجور بين الجنسين، فلقد أخرجت الثورة الصناعية المرأة للعمل في المصنع والورشة وحتى غياهب المناجم، كانت تقوم بالعمل نفسه كالرجل وتقضي الساعات التي يقضيها هو في مكان العمل، لكنها كانت لا تتقاضى إلا نصف ما يتقاضاه الرجل من الأجر!
إذن ظهرت الحركة النسوية، وهي تحمل هذا المطلب المشروع، وتأسست لرفع الحيف والظلم البيّن، فإذا كانت الواجبات واحدة فلا ينبغي إلا أن تكون الحقوق واحدة أيضا، وبعد ذلك توسعت المطالب إلى المطالبة بالحق في الانتخاب، والمساواة مع الرجل على كل الصعد بما فيها المساواة في (الحرية) الاجتماعية فللمرأة الحق في أن تتبادل العواطف مع من تشاء، وأن تهب نفسها لمن شاءت، ومتى شاءت لأن الرجل سبقها في هذا المجال!
وكما وفدت إلينا من أوربا مفاهيم العلمانية والتنوير، والكثير من المفاهيم التي نشأت في سياق الثورة الصناعية وعصر الأنوار، وفدت إلينا الدعوة إلى تحرير المرأة، وظهرت للمرأة في العالم الإسلامي قضية، لكنها قضية تثار في سياق مغاير فليس ثمة ظلم للمرأة في الأجور، بل إن المرأة الشرقية لم تدفع إلى العمل خارج بيتها إلا إذا دفعتها ظروف استثنائية قاهرة، لكن حدثت الإسقاطات التعسفية من السياق الأوربي في هذه القضية، كما حدثت في تصوير الدين وعالم الغيب من أنها مواريث يجب أن تزال لأنها تعطل العقل، وكان لابد لهذه القضية من شعار واختير لها موضوع السفور، فحرية المرأة تعني سفورها!
لقد اختزلت القضية في هذا الطرح المبتسر المشوه، فالمرأة قد تكون سافرة لكن سفورها ليس دليل تحضرها، و بدل النظر في أساس المشكلة التي هي تخلف الرجل والمرأة معا في العالم الإسلامي، حيث يجب النظر في عوامل التقهقر في المجتمع كله، نساؤه ورجاله، وتشخيص المرض الموجود فعلا ووصف العلاج المناسب له، بدلا من ذلك جاء الإسقاط من واقع مجتمعات وسياقات حضارية أخرى..
كان الواجب يقتضي الوقوف عند حجم المشكلات القاتلة التي ترتبت عن "حرية المرأة" في الغرب، ولعل أبرز تلك المشكلات التفكك الأسري، والشيخوخة بسبب تباطؤ نسبة المواليد في تلك المجتمعات، لكن الأمر سار على ذلك النحو لأن أساليب الغزو الاستعماري تفطنت إلى فاعلية الغزو الثقافي، كونه ممهدا أو بديلا للغزو العسكري، وجميع توصيات مجامع إرساليات التبشير في العالم الإسلامي تضع المرأة محل عناية خاصة..
طبعا نحن هنا، نرصد في ومضات سريعة منحى تاريخ الحركة النسوية، وإلا فان المعركة قد حسمت من سنين عددا قبل اليوم، وقد يبدو اليوم الحديث عن تعليم المرأة وعملها مضحكا، وإثارة لمعركة وهمية، فلقد تعلمت المرأة وترقت إلى أعلى درجات التعليم، وخرجت للعمل وضربت في كل أوجه النشاط، فهي أستاذة وطبيبة وشرطية وقاضية ومحامية، وصحافية..ودخلت الحياة العامة من كل أبوابها فهي وزيرة ورئيسة حزب ومرشحة لمنصب الرئاسة.. وإنكم لترون أني أخالف ما يراه أهل البلاغة فصيحا، فلم أقل أن المرأة طبيب وشرطي وقاض ورئيس.. وهي تطلق على الجنسين حتى لا اتهم بالتحيز الجنسي في اللغة.
إن واقع الحال يقول أن النساء قد جاوزن الرجال عددا في مجالات كثيرة، وهو وضع أوحى لبعض ظرفاء الذكور أن يحدث جمعية تطالب بالمساواة في الوظيفة بين الرجال والنساء، بمعنى أن يرفع الظلم الواقع على الرجال!
وهذه الدعوة في الحقيقة ليست بين الظرفاء وحسب، ففي مقال نشرته صحيفة Financial Times ، قبل سنوات، ساق محرره حججا تبرر المضي في عزل النساء العاملات، وتحدث عن بروز مشكلة (ظلم متنامي) بين الشباب غير المؤهل لمهنة محددة، إذ أن هؤلاء يجنحون إلى العنف والإجرام حينما لا تتاح لهم فرص العمل، ولأن النساء العاملات يستحوذن على ثلثي فرص العمل غير المشروطة بمهارات معينة، لذا فهن ينافسن هؤلاء الشباب، ويكمن حل هذه المشكلة في " الحد من عمل النساء، وذلك لأنهن أقل ميلا للإجرام" وعلى هذا الأساس فالمبدأ المستقبلي للسياسة الاقتصادية هو: "فرص عمل أكثر للذكور" More jobs for boys ..
و الذين يقحمون المرأة في أشغال تخالف طبيعة تكوينها إنما يظهرونها على غير طبيعتها، هل ترون أي عجب في طبيب يداوي المرضى؟ المؤكد أنه لا عجب في ذلك، ولكن لو رأينا طبيبا تخلى عن عمله واشتغل في ورشة بناء فإن الأمر يكون جديرا بالتأمل فعلا، فلو كان عمل المرأة في المناجم ورشات الصيانة طبيعي فلمَ يبرز وتلفت إليه الأنظار؟..
وأسوق بين يديه هذه القصة لتكون ملح الختام، فلقد احتجنا ذات يوم أن نحرك بعض أثاث المكتب في العمل، وكنت بين خمس نساء وحيدا، وتعلمت كلمة سحرية أرددها في كل مرة هي: "معليهش"، فإذا احتاجت إحداهن لخروج قبل الوقت تحججت برضاعة صغيرها، قلت: "معليهش"، و إذا جاء زوج الأخرى مبكرا لتذهب معه، قلت: "معليهش".. وهكذا. أما في ذلك اليوم فقد استحال عليَّ اللجوء إلى كلمتي السحرية "معليهش"، فتحريك الأثاث يتطلب المساعدة، والذي حدث أن واحدة من الخمس تسللت خلسة، والأخرى اشتكت من وجع في ظهرها، وقالت الثالثة أنها حامل، أما الخامسة فقد باحت بما تكنه صدور زميلاتها: أين الرجال؟
كتب محمد قماري
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























