لغة الإيمان..

كتبهامحمد قماري ، في 20 مارس 2008 الساعة: 10:44 ص

هناك حقيقة تنطبع في نفس كل من يزور البقاع المقدسة في موسم الحج، شعور عميق قد لا يحسن كل الناس وصفه بالكلمات المجردة، لكنه شعور أصيل وحقيقي..ذلك أن المشهد هناك ينبئ بتهاوي الحواجز (القسرية) بين البشر، فحاجز اللغة واللون والعرق كلها تذوي وتذوب وتتهاوى..

هنا في البقاع المقدسة يلتقي البشر من (كل فج عميق)، اختلفت ألوانهم وتعددت لغاتهم وتباعدت أنسابهم، وتتصاعد في الأفق مئات اللغات، بعضها قديم ضارب في التاريخ، وبعضها جديد ناشئ، وبعض منها لغة يتكلمها الملايين وبعض آخر لا يتعدى من ينطق بها التجمعات المحصورة لكن الجميع يرفع صوته في غير حرج ولا مواربة، وهنا يلتقي الأبيض والأسود والأصفر و الأحمر، وما بين ذلك من ألوان، الجميع مع الجميع..

وكيف والحال هذه لا ينطبع في النفس ذلك الشعور، شعور بان تلك الفوارق غير ذات قيمة، فالفقير المدقع إلى جانب الغني المرفه، الجميع في هذا المكان يسيرون في اتجاه واحد، ويتكلمون لغة واحدة وإن اختلفت نظمها اللسانية، فلا قيمة لتلك الذبذبات التي ترسل في الهواء ونسميها لغات عربية أو فارسية أو أنجليزية أو فرنسية أو أوردية.. هنا تتوحد اللغة في مضمونها وتشترك في المعنى، هناك ومن البداية تعلن الغاية والقصد (لبيك اللهم لبيك..)، هي الاستجابة لنداء ابراهيم، عليه السلام "و أذن في الناس بالحج يأتوك رجالا.." وإنه لنداء استجاب له الناس منذ زمن سحيق، وتأكدت الاستجابة بانبعاث هذه الأمة المسلمة التي جاء نبيها مؤكدا وراثة خط النبوة..

هنا تبدو تلك الفوارق صغيرة وبسيطة، تبدو فوارق اللغة واللون والعرق غير ذات بال بعد أن توحدت في نداء الإيمان، ويا لها من تجربة غنية ثرة في كسر تلك الحواجز الوهمية بين الإنسان وأخيه، الاجتماع واللقاء هنا لم يكن لدافع مال أو منافع عاجلة يرجونها، بل الأصل أنهم دفعوا من أموالهم وأوقاتهم من أجل التحقق بمقتضيات ذلك النداء الذي تدوي به جناجرهم " لبيك اللهم لبيك" هنا لا اعتبار لتلك الفوارق القسرية وقد تخلى الرجال حتى عن اللباس المميز فلا يستر الجسد العاري إلا رداء على الكتفين وإزار يحيط بالخصر ويغطي العورة..وبهذا اللباس يقف الحجاج ويجتمعون جميعا على صعيد عرفات..

هنا يدرك المرء أن تلك الرؤية التي تميز بين البشر على أساس الغرق أو اللغة أو اللون هي رؤية قاصرة ومغشوشة، فالمرء يولد ولا دخل له و لا حرية في تحديد لون بشرته أو لغته أو قومه أو مكان مولده، ومن الظلم والحيف أن يتم التفريق بين البشر على أساس هذه الفوارق، فهي لا يمكن أن تكون مرجعا للمفاضلة بين البشر لأنها تعسفية وغير منطقية، وهي هنا ترد إلى خالقها ومنشئها سبحانه وتعالى، وهي من دلائل قدرته وإعجازه : " ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألوانكم وألسنتكم إن في ذلك لآيات للعالمين" (الروم 21)..

ومن هنا جاء بناء المجتمع الأول الذي أنشأه محمد، صلى الله عليه وسلم، متعددا منوعا فيه بلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي كل هؤلاء مع نفر من هامش المجتمع المكي وبعض من أشراف العرب كلهم استجابوا لمدرسة تقول "إنما المؤمنون إخوة" من هنا كان الاتساع مستوعبا للجغرافيا والأعراق والألوان ومنه كان فتح القلوب يحدث قبل فتح البلدان..

و هنا أيضا تذوب فرية أن الإسلام دين العرب، فعدد العرب يظهر ضيئلا متواضعا أمام وفود وأجناس من آسيا وأوربا، وفود الهنود والبنغال والباكستانيين وجمهوريات وسط آسيا وأندونسيا وماليزيا والصين ووبورما..تعداد العرب يبدو متواضعا داخل تلك الجموع.

صحيح أن العرب كانوا أول من تلقوا الرسالة، وصحيح أن اللغة العربية هي اللغة التي اصطفاها الله لحكمة يعلمها لمخاطبة البشر بالرسالة العالمية الخاتمة، وهو سبحانه لا يسأل عما يفعل ويختار، وإن يكن من المؤكد أن الاختيار تشريف والتشريف يقتضي وجود خصائص في هذه اللغة سواء علمناها كلها أم لم نعلم..

والأكيد أن الحرب على العربية هي خطوة متقدمة من محاربة هذا الدين، فاللغة العربية هي الوسيلة الموصلة إلى معرفة الوحي، وكل تهوين من شأن العربية هو قطع للناس عن وثيقة الوحي الصحيحة الوحيدة التي بين أيدي البشر..

كتبه محمد قماري بوادي منى 10 ذي الحجة

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر