أسطورة مخادعة اسمها: "لا بطل إلا الشعب" !

كتبهامحمد قماري ، في 20 مارس 2008 الساعة: 10:46 ص

حين صدر كتاب (أصول ثورة نوفمبر) الذي كتبه الرئيس الراحل بن يوسف بن خدة، رحمه الله، سنة 1990 لم أفهم حينها لمَ ضمن المؤلف كتابه فصلا مستقلا للحديث عن (مصالي الأسطورة)، لكن الصورة تكتمل بوضوح بعدما يتعرف قارئ الكتاب إلى ظروف تصدع "حزب الانتصار للحريات الديمقراطية"، وكيف أن مصالي الحاج زعيم الحزب ومؤسسه طلب لنفسه الرئاسة مدى الحياة وتطور مطلبه مع الزمن ليصرح (أنا هو الحزب) لينتهي به الأمر إلى القول (الجزائر هي أنا)، وهذا التوجه "الشخصاني" من مصالي اضطر حوارييه إلى التنكر له، ومواصلة السير من دونه..

كانت تجربة مترعة بالمرارة، امتدت آثارها إلى ما بعد الاستقلال، فلقد حرمت الحركة الوطنية من تجربة رجل كبير، نسي في غمرة تصاعد نجمه أنه بشر يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، وأن قيمته الحقيقية جاءت يوم أن جعل من نفسه معبرا للوصول إلى استرداد حقوق شعبه، وأنه عندما فكر في أن يحقق مجدا لـ(شخصه) كانت بداية نهايته قد أزفت..

ربما كان هذا هو البعد الذي أراد المرحوم بن خدة أن يذكر به، أن الزعيم الحقيقي هو من يستطيع أن يصهر الـ(أنا) في الجماعة فلا يمن عليها ولا يطغى، ومن هنا جاءت ثورة نوفمبر فكانت من يومها الأول تتحسس من داء "الشخصانية" وانطلقت بقيادة جماعية..

 وبعد الاستقلال جاءت أزمة صيف 1962 وشعر بعض الناس أن أفرادا أرادوا الظهور على أساس ماض تاريخي، فكان الشعار (لا بطل إلا الشعب)، تلك حوادث وظروف سياسية دقيقة يفهم ما كان من أمر تحسس الناس ونفورهم من مرض (عبادة الذات)..

لكن العلاج الذي كان تحول إلى سم قاتل، إذ لم يتم مراعاة ضبط الجرعات والنسب، وتماما كما يحدث في الطب إذ يوصف العلاج بجرعات محددة، يوشك المريض أن يهلك إذا تجاوزها بقليل، فقرص الأسبرين الواحد يسكن الألم لكن أضعافا منه تسبب نزفا حادا وتقرحا في المعدة وتسمما في الدم، كذلك يحدث لعلاج أمراض المجتمعات، فالجرعة يجب أن تضبط وإلا جاءت العواقب محزنة..

لقد تحول هذا الشعار "لا بطل إلا الشعب" إلى فرية كبيرة، فالشعب ليس كما مهملا من الأفراد، دون قيادات تحكم اتجاه سيره، وتضبط إيقاع تحركه، ولا يجب أن يجنح التفكير إلى إننا نقصد الزعامات السياسية، بل مقصدنا هو كل ما يخرج من رحم هذا الشعب من قيادات فكرية وثقافية وسياسية وفي كل ضرب من ضروب النشاط البشري..

فالذين سوقوا لشعار "لا بطل إلا الشعب" ومهدوا له، كان بعضهم يرقب السطو على إرادة الناس من حيث يزعم أنه يعززها، ويمهد إلى شيوع التسطيح وإعلاء شأن الغوغاء، ومحاصرة الكفاءات حتى إذا نطق أحد مستنكرا كان الشعار جاهزا.. "لا بطل إلا الشعب"، فالشعب البطل هو الذي يحجب كفاءاته العلمية والفكرية والفاعلة النشطة، ويمييعها في وسط الزحام فلا  يسمع لها ذكر، ولا يعلى لها شأن..

ولعل هذا الداء الجزائري له أصل قديم عبر عنه الأمير خالد، رحمه الله، وقد زاره في آخر أيامه بدمشق صديق له وطلب منه أن يرجع إلى الجزائر لان الحالة قد تغيرت، والشعب في حاجة لمن يقوده، فأجابه في تذمر: لا تقل هذا يا ولدي، فالجزائريون يخصوا فحولهم!

ولعل الميزة الكبرى لكل الشعوب التي تحكمها الديمقراطيات في العالم، هي أن تبرز فيها القيادات السياسية و الفكرية، وتقيم لها في حاضر حياتها وبعد موتها أمجادا، وتوثق سيرتهم لتكون معالم تهدي الأجيال الصاعدة..

إن مما جناه هذا الشعار البغيض علينا، أن سوى بين ذوي الفضل من الناس وبين الدهماء، ولم ينزل الناس منازلهم في المجتمع، فحدث أن أصبحت البلاد طاردة للكفاءات مجحفة في حقها، وفقدت قيم كبرى نهضت عليها الحضارات، غابت قيمة العلم والعمل، فمن أبطأ به نسبه لم يسرع به علمه ولا عمله..

إن بطولة الشعب الحقيقية تتحقق يوم تخرج منه قمم يشار إليها بين بقية الشعوب الأخرى، أما أن يهال التراب على مآثر الأبطال بدعوى أن "لا بطل إلا الشعب" فهذا مناف لحركة التاريخ والسنن التي تحكم سير العمران البشري..

 

كتبه: محمد قماري

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “أسطورة مخادعة اسمها: "لا بطل إلا الشعب" !”

  1. hmar li kteb l’hisstoir w bhloule

  2. khra 3likoum



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر