سياسة ضبط النسب..
كتبهامحمد قماري ، في 22 مارس 2008 الساعة: 16:45 م
اعتقد أن الساحة العربية اليوم أصبحت تشكو من جرعة تسييس زائدة، فما كان بالأمس لا يحدث المواطن به نفسه، لخوفه من أن يرصد (المخبر) خلجات الحوار الداخلي، فيقع المحظور، ولذلك يضبط (العاقل) هذه الرغبة فلا يهمس إلا بالكلام المباح، ويجنب نفسه التعرض لـ(سين وجيم)، لكن الذي حدث أن منطق الفضائيات فرض نفسه، وأصبح هامش ما (يتاح من البوح) كبير و لم يعد (الرقيب) يملك سلطة الحجر والمنع !
ودخلنا في عهد عربي جديد لم تعد فيه المعلومة السياسية، تشكل (خطورة)، وتكاد تكون دون أثر لا على المرسل ولا على المتلقي، وبمنطق أن الأمر إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده، تم تمييع كل شيء، وانطلاقا من حكمة "كل ممنوع مرغوب"، اهتدت الأنظمة إلى الاستفادة من قاعدة تجارية معروفة(العرض والطلب) تمت عملية الزيادة في العرض للتقليل من الطلب، أو بمنطق العولمة الجديد "كل شيء في كل مكان"، ويكون التسوق افتراضيا بمعنى مشاهدة السلع دون التمكن من شرائها، فالجرعة السياسية المفرطة أحدثت أثرا مشابها، الكلام مباح (الجميع يتكلم)، لكن الأثر غائب وكلما زاد الكلام فقد معناه !
ومن أغرب الأمور أن نسمع إلى (تحليل) للواقع عن طريق إسقاط مصطلحات وجدت في ظروف وبيئات وسياقات مغايرة تماما، فنسمع أو نقرأ من يحدثنا عن (الطبقة الوسطى) ودورها في حفظ التوازن المجتمعي، والحقيقة أن الطبقة الوسطى التي يشار إليها في الغرب بالموظفين وخريجي الجامعات على وجه أخص، ليست مرتبطة بطبيعة الوظيفة وحسب لكن الأهم هو وجود درجة من الإدراك لما يدور في المجتمع من قضايا، فالطبيب، مثلا، ليس رقما حسابيا لدى المصالح الطبيبة لكنه يرمز إلى (قيمة) داخل المجتمع..
وكذلك الحديث عندنا عن (الطبقة السياسية) ما المقصود بها؟ ما ملامحها؟ ومن هو الفرد أو الهيئة التي يمكن أن يتم إلحاقها بهذه الطبقة؟ وهل (كل) من التحق بقطار السياسة يعد من السياسيين أم أن بعض الركاب وجد نفسه دون ترتيب ولا تهيئة منه جالس في وسط يردد فيه قصيدة الطلاسم لإليا أبو ماضي:
جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت
ولقد أبصرتُ قدامي طريقاً فمشيت
وسأبقى ماشياً إن شئتُ هذا أم أبيت
كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟
لست أدري
وطريقي ما طريقي؟ أطويلٌ أم قصير؟
هل أنا أصعد أم أهبط فيه وأغور؟
أأنا السائر في الدرب؟ أم الدرب يسير؟
قال صديقي ألست معي أن تجربتنا ما زالت فتية، وأنه من الظلم أن نستعجل في تحقيق أمور هي مرتبطة في الواقع بمسألة ثقافية بطيئة أكثر من كونها مشروعا معماريا أو معادلة رياضية، وما علينا إذا تطلبت منا عملية التغيير مئة سنة؟ فالمجتمعات لا تبنى في يوم وليلة، ولعل ما تشير إليه من جرعات التسييس الزائدة لا تؤدي إلا إلى الإحباط، ألا ترى أن بعضهم بدأ يشكك في أهليتنا للاستقلال مستغلا هذا التذمر المبالغ فيه..
ابتسمت في وجه الصديق وقلت: قد يتطلب جهد التصحيح مئة سنة وقد يتطلب ألف سنة..وقد لا يتطلب إلا بضع سنين من الزمن تحدث فيها (توبة الفكر) لدى الجميع وتحدث المعجزة!
القضية، في رأيي، ليست مسألة (كرونولوجيا) زمنية، فالزمن مهم في معادلة نطور المجتمعات، والزمن وزعه الخالق بين الجميع بـ(القسطاس المستقيم) فالأربع والعشرين ساعة تمر على الياباني في شرق الأرض كما تمر على الأميركي في غربها وهي ذات الـ 24 ساعة التي تمر في أحيائنا ومدننا ودولنا العربية من المحيط الهادر إلى الخليج الساخن!
الفرق أنها تستثمر، وتتحول إلى أفكار مستنيرة، وأعمال مثمرة في مكان، وتغدو هباء منثورا في مكان آخر، وحين تحولت اسبانيا من دكتاتورية (فرانكو) إلى واحة للديمقراطية لم تحتج إلى مئة سنة، وعندما تحول السنغال من نظام (سنغور) استطاع العبور وحدثت النقلة بين حكم (ديوف) وانتخاب (واد).
في حياتنا نشكو من تغييب لمبدأ مهم هو مبدأ "ضبط النسب" فقرص الأسبرين من 500 ملغ يسكن ألم الصداع، لكن خمس أقراص تحدث تميع في الدم وتقرح في المعدة وربما إنثقابها، فالمسألة أعمق من (جرعة تسييس) غير منضبطة، ومتى بدأنا العمل وفق ضبط النسب، فسينصرف (تلقائيا) كل لشغله، وتختفي ذهنية (سياسة الهواة) ويمكن الحديث عن الاحتراف بمعناه العلمي..
كتبه: محمد قماري
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























مارس 28th, 2008 at 28 مارس 2008 9:32 ص
تحيتي
ان اردتم متابعة فضائح الوزير بوقرة سلطاني
فزورونا لتتابعوا العجب العجاب عن هذا الرجل الفضيحة
مع خالص محبتنا