باب الحارة الذي نجح..

كتبهامحمد قماري ، في 10 أبريل 2008 الساعة: 15:25 م

مع بداية عقد الثمانينيات من القرن الماضي، شعر المشاهد العربي أن نجما سطع في سماء السينما العربية، وذلك بعد أن بدأ انتشار فيلم "الرسالة" ومن بعده فيلم "عمر المختار"، للمخرج مصطفى العقاد (رحمه الله)، حتى ذلك الوقت كانت السينما المصرية قد احتكرت السوق العربية في مجال إنتاج السينما وتوزيعها، وما أنتج في باقي البلدان العربية على قلته كان للتسويق المحلي..

لقد جاء فيلم "الرسالة" ليخرج بالسينما العربية من رتابة السينما المصرية، شاهد الناس لأول مرة الانسجام بين النص والحوار والعرض، إلى درجة أن انطبع في حس المشاهد شخصيات تاريخية كحمزة بن عبد المطلب وهند بنت عتبة، وعبد الله بن أبي بن سلول، استطاع العقاد بعبقريته أن يختصر كتب التاريخ والسيرة قديمها وحديثها في ساعتين من أحداث فيلم الرسالة، وعاش المشاهدون معاناة الصحابة الأوائل في مكة، وأحداث هجرة الحبشة والهجرة إلى المدينة، وتفاعلوا مع معارك بدر وأحد حتى لكأنها وقائع تحدث للتو وفي ساعة العرض !

وتكرر ذات الحماس وذات التفاعل مع فيلم "عمر المختار"، شيخ المقاومين في ليبيا، لقد انحاز المشاهد للمجاهد البطل وهو يحمل تلك القيم، وذاك التوهج والقدرة على مواجهة جلاديه، عندها شاهد الناس نمط آخر غير ذاك الذي بثته لعقود السينما المصرية من انسياق مفرط وراء قصص الحب والخيانة، والاتكاء على المشاهد الساخنة واللحظات الحميمة لترويج المنتج، لقد تجاوز المرحوم العقاد السيناريو المفتعل المتكسر والدارجة المصرية وانطلق إلى آفاق رحبة خرجت بالسيناريو العربي إلى العالمية من خلال ترجمة الفلمين إلى العديد من اللغات..

وجاءت الدراما السورية في العقدين الأخيرين، لتعزيز ذات الخط الذي ابتدعه العقاد، ولتسد فراغا طال أمده، سواء على مستوى النص أو السيناريو أو الإخراج أو مشاهد العرض.. وفي وقت قصير نسبيا استطاع السوريون أن يكونوا أقوى حضورا على الشاشات العربية، بمجموعة من المخرجين المبدعين، منهم "نجدة إسماعيل أنزور" بعدة مسلسلات كـ(الجوارح) و(الكواسر) و(البواسل)، ولطالما رأينا الشباب وحتى الأطفال يعيدون مشاهد من حديث أبطال تلك المسلسلات كـ(شقيف) و(ابن الرومية)، واستطاع السيناريو بحبكة فنية رائعة أن يخلط بين الأسطورة والتاريخ، ومن المخرجين الرواد يأتي حاتم علي في مسلسل (التغريبة الفلسطينية) حيث وقف المشاهد على (مأساة) الفلسطينيين في إخراجهم من أرضهم على مراحل انتهت بهم إلى (شتات) خارج الحدود.. وهم ينتظرون الجيوش العربية ويأملون في تنظيم (الضباط الأحرار) في مصر، ومع عمل تاريخي آخر يتتبع خطى انهيار الخلافة الإسلامية في بغداد، وكيف حمل المسلمون الأكراد اللواء الإسلامي، تعرف الجمهور إلى عماد الدين زنكي ونور الدين محمود وعلى معركة (حطين) وبطلها صلاح الدين الأيوبي، كل ذلك بلغة عربية راقية أنستنا رطانة الدارجة المصرية (أزاي يا خويا..)، و (بلاش دلع)، و(الطربيزة) و(البلكونة)..

ومع مبدع سوري آخر هو "بسام الملا" الذي أخرج أعمالا درامية وتوثيقية، منها (أيام شامية) و(ليالي الصالحية) و( باب الحارة)..و هذا المسلسل الأخير يتناول أحوال حارة في مدينة دمشق، وأهلها في دراما تلفزيونية تدور أحداثها حول البيئة الدمشقية، وحول القيم الأخلاقية لهذه الحارة، ومفاهيم الشرف والبطولة والفروسية..مجتمع كامل بأناسه وأهله يعج بالحركة والحياة، الحوانيت والمحلات والحمامات والمساجد الحارة هكذا خلال النهار.. وبعد أن يجن الظلام هناك بابها الكبير الذي يقفل ويقف حارس من ورائه يحرس الحارة ببيوتها ومحلاتها..
ما ميز مسلسل "باب الحارة" هو الصدق، بحيث يجد المشاهد العربي نفسه من خلال القيم التي فقد الكثير منها، عمل السيناريو والمخرج تمحور في طرح وسرد القضايا الاجتماعية والإنسانية انطلاقا من الحياة اليومية في الحارة، والتي بدت كمدينة كاملة، يتجسد فيها عناصر التعاضد والرأفة والرحمة واللحمة الوطنية بين أبناء الحارة، والانتماء لكل ما هو أصيل ضمن مجتمع تسوده حضارة متأصلة عريقة عنوانها الفضيلة، والقيم النبيلة السارية بين الناس.. وحدة قلوب الناس إلا ما ندر من الشرور التي لابد منها في كل مجتمع.. لكنها ليست غالبة، ويتم كشفها والانتصار عليها.. الشعور الوطني بالانتماء والرفض القاطع للاستعمار الفرنسي، وأعوانه من رجال المخفر، حيث ظهروا في مخفرهم معزولين عن الناس بقرار من أهل الحارة، فليس لهم مكان وليسوا مرجعية وليسوا أهل ثقة عندهم..

وانطلاقا من أغنية الشارة، حيث يمر مقطع "والذي يحلف يمين كاذب يا ويله من الله"، وتظهر الصورة يد الحالف وقد أصابتها "الغنغرينا"، وهنا يتداعى إلى مخيلة المتلقي جحافل ممن يحلفون اليمين الكاذب، لتحقيق مآربهم سواء من السياسيين أو من غيرهم، وتمضي الدراما صعدا عبر حلقات المسلسل، وفي كل مرة تنتصر قيم الخير والحب والتضحية..

الدراما في "باب الحارة" تجاوزت منطق الواقعية المنهزمة، واقعية اللهاث وراء لحظات الضعف البشري، وذوبان المقاومة وتبرير تلك اللحظات، فالمخرج حاول تعدية الرؤية إلى واقعية المكان والزمان والانتصار لقيم الجمال والعدالة والتضامن، ولعل هذا هو السر في نجاح باب الحارة، وهو سر نجاح كل عمل يحترم عقل و بصر وسمع المشاهد..

يكتبه محمد قماري

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “باب الحارة الذي نجح..”

  1. كلماتك جميلة و حكيمة أيها الرجل.

    لقد تشرفت بزيارتي هذه المدونة ،و حتما ستكون لي عودة إن شاء الله.

    أخوك توفيق التمساني.



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر